المنجي بوسنينة

42

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

في المحافل العامة ، ومع تنقل والده في وظيفة القضاء من رشيد إلى الجيزة ، أتيح للشيخ الصغير أن يلتحق بالأزهر وينكب على دراسة اللغة والأدب ، ويقع على ديوان البارودي ويستظهره بأجزائه الأربعة ، قبل أن يعود إليه في سنوات نضجه شارحا ، ويلتحق كذلك بدروس الإمام الشيخ محمد عبده ويدرس على يديه كتابي عبد القاهر الجرجاني « دلائل الإعجاز » و « أسرار البلاغة » ، وينبهر بشخصية الشيخ الإمام ، فيكتب فيه واحدة من قصائد المديح المبكّرة ويحرص على أن يجعل بناءها على نسق الشعر القديم ليؤكد رسوخ قدمه في مجاله فيقول في مطلعها : المجد فوق متون الضمّر القود * تطوي الفلا بين إيجاف وتوحيد إذا رمت عرض صيهود مناسمها * رمت إليها الليالي كلّ مقصود وتنشر القصيدة في جريدة « المؤيد » ويثني الشيخ الإمام على الشاعر الأزهري الصغير ، مع ندرة تعليقاته من قبل مادحيه من كبار الشعراء . وفي 1903 تنشر الصحف إعلانا عن مسابقة لاختيار عدد محدود من نوابغ الطلاب للالتحاق بدار العلوم ، ويتقدم علي الجارم إلى مسابقة برصيده الجيد من الصحة اللغوية والمحفوظ الشعري وقصائده التي كان قد بدأ التعرّف عليه من خلالها كواحد من الشعراء الواعدين ، ويأتي ترتيبه الأول على المتسابقين ، وهو ترتيب يظلّ يحتفظ به طوال سنوات دراسته بدار العلوم حتّى تخرجه فيها 1908 ، وهو خلال ذلك يتألّق شاعرا مجلجلا إلى جانب كونه دارسا متفوّقا ، وتنشر الصحف له في العقد الأوّل من القرن العشرين قصائد في الغزل وفي الطموح من مثل قوله : طالما سقت فؤادي نحوها * فنبت عنه مطالا ونبا ودعوت الوجد للهو بها * فأبت دلّا عليه وأبى علقت غيري وترجو صلتي * عجبا مما ترجّى عجبا هل يحل الغمد سيفان معا * أو يضمّ الغيل إلا أغلبا أنا يا زينب ماء فإذا * هجتني ، صرت لظى ملتهبا أركب المركب صعبا خشنا * إن دعتني همّتي أن أركبا ضاربا في سبل المجد ولو * وصفوها بالعوالي والظبا وعقب تخرّجه أوفد علي الجارم في بعثة إلى إنجلترا لدراسة اللغة الإنجليزية ، وعلوم النفس والتربية ، وقد قضى أربع سنوات في لندن ونوتنجهام واكسترا حصل خلالها على إجازات في الفروع التي أوفد لدراستها ، مواصلا خلال إبداعاته الشعرية متأثرا بالمناخ الجديد الذي حلّ فيه ، وراسما بعض مظاهر الحياة التي رآها ، يقول في إحدى قصائد هذه الفترة : أبصرت أعمى في الظلام بلندن * يمشي فلا يشكو ولا يتأوّه